11:11 مساءً
السبت 17 أكتوبر
أخبار اليوم

أمطار قياسية في إسطنبول: ما حجمها ولماذا تحولت إلى فيضانات؟

17 أكتوبر 2026306 دقائق قراءة

صُنفت الأمطار التي هطلت على مدينة إسطنبول في 14 أكتوبر/تشرين الأول ضمن أعنف الظواهر الجوية المسجلة في تاريخ المدينة، في وقت تواصل فيه فرق الإنقاذ البحث عن مفقودين جراء فيضانات أسفرت عن مصرع أربعة أشخاص على الأقل.

وتسببت السيول في غمر آلاف المنازل ومئات المحال التجارية بالمياه، ما أدى إلى شلل شبه تام في الحركة بعدة مناطق. وأفاد وزير الداخلية مصطفى تشيفتشي بأن كميات الأمطار المسجلة وصلت في بعض المناطق إلى 272 كيلوغراماً لكل متر مربع.

وتبرز ضخامة هذا الرقم بالنظر إلى السجلات التاريخية للطقس في إسطنبول؛ إذ تشير بيانات المديرية العامة للأرصاد الجوية إلى أن الرقم القياسي السابق للهطول اليومي سُجل في منطقة شيله في 17 أكتوبر/تشرين الأول 1985، وبلغ حينها 199.3 كيلوغراماً لكل متر مربع.

من جهته، أوضح الدكتور عبد الله قهرمان، المتخصص في الظواهر الجوية المتطرفة وتغير المناخ بجامعة نيوكاسل في إنجلترا، أن أعلى منسوب مسجل لدى مرصد قنديلي منذ عام 1911 كان 165.8 كيلوغراماً لكل متر مربع، وشهدته المدينة في 20 يوليو/تموز 1951.

وقال قهرمان في تصريحات لبي بي سي التركية: "تُظهر هذه الأرقام مدى استثنائية كمية الأمطار التي قِيست في بيكوز وبلغت 272 كيلوغراماً لكل متر مربع. وللمقارنة، يبلغ متوسط هطول الأمطار السنوي في إسطنبول 660 كيلوغراماً لكل متر مربع".

دلالة قياس الأمطار بالكيلوغرام والمليمتر

يقاس الهطول المطري أحياناً بوحدة الكيلوغرام لكل متر مربع وأحياناً بالمليمتر. وحول الفرق بينهما، أوضح دوغوكان دوغو يافاشلي، الأستاذ المشارك في قسم الجغرافيا بجامعة قرشهير آهي إفران: "تخيّلوا حوضاً زجاجياً قاعدته مربّعة، طول ضلعها متر واحد. إذا سكبتم فيه لتراً من الماء، أي ما يعادل كيلوغراماً واحداً، فسيبلغ ارتفاع الماء داخله مليمتراً واحداً".

وبناءً على ذلك، فإن هطول مئات الكيلوغرامات على المتر المربع ينتج عنه تراكم للمياه بارتفاع مئات المليمترات في حال عدم تسربها أو تصريفها. وفي منطقة بيكوز، تعادل كمية 272 كيلوغراماً لكل متر مربع طبقة مائية بارتفاع 27.2 سنتيمتراً.

المياه تغمر الأجزاء السفلية من مسجد سعد آباد.

ولا تعكس الكمية الإجمالية للأمطار وحدها سبب بلوغ المياه مستويات شديدة الخطورة؛ إذ يرى قهرمان أن العامل الحاسم يتمثل في سرعة الهطول وطبيعة الأرض، موضحاً: "يمكن للأمطار الغزيرة جداً، التي تهطل خلال ساعات قليلة أو حتى في أقل من ساعة، أن تتحوّل سريعاً إلى مياه جارفة على السطح في مجاري الأنهار والأودية والمناطق الحضرية التي تكثر فيها الأسطح الخرسانية غير المنفذة للمياه".

وتابع: "لذلك، حتى لو كانت كمية الأمطار تعادل ارتفاعاً قدره 27 سنتيمتراً، فإن تجمّع المياه في نقاط معيّنة بفعل التضاريس قد يؤدي إلى فيضانات يصل عمق مياهها إلى أمتار عدة".

توسع الأسطح غير المنفذة للمياه في إسطنبول

أثبتت أبحاث علمية تزايداً متسارعاً في المساحات المغطاة بالخرسانة والأسفلت غير المنفذة للمياه في إسطنبول على مدار ما يزيد على أربعة عقود.

منظر من أعلى لساحل إسطنبول، حيث تبدو المياه عكرة بفعل الوحل.
يستحق الانتباه

وأظهرت دراسة مشتركة بين باحثين من تركيا والولايات المتحدة عام 2014، اعتمدت على صور الأقمار الاصطناعية، أن عدد المناطق التي تغطي الأسطح العازلة أكثر من 70% من مساحتها ارتفع بنحو أربعة أضعاف بين عامي 1987 و2011؛ فبعدما كانت مقتصرة في عام 1987 على فاتح وقاضي كوي وزيتون بورنو، انضمت إليها بحلول عام 2011 مناطق باكيركوي، وبهتشلي إيفلر، وباغجيلار، وغونغورين، وبشيكتاش، وأوسكودار، وشيشلي، وبيوغلو.

كما ربط "مؤشر إسطنبول للمدينة الخضراء" الصادر عن جامعة مرمرة عام 2025 بين كثافة هذه الأسطح وارتفاع مخاطر الفيضانات، مبيناً تصدر أحياء ذات كثافة عمرانية مثل غونغورين وكاغيتهانه وبهتشلي إيفلر وزيتون بورنو للمؤشر. وفي المقابل، ورغم انخفاض نسبة الأسطح الصماء في شيله وتشاتالجا وبيكوز، فإن بيكوز وشيله شهدتا أضراراً بالغة بسبب غزارة الهطول القياسي.

مسارات الأنهار القديمة والبناء فوق مجاري السيول

أكد يافاشلي أن المناطق الجنوبية في إسطنبول، ولا سيما الواقعة فوق مجاري أنهار وأودية قديمة، تعد الأكثر عرضة للخطر.

وفي مقال نشره عبر منصة "إقليم ماساسي"، كتب يافاشلي: "مجرّد النظر إلى أسماء الأنهار التي فاضت يكشف الكثير: نهر أيازاغا، ونهر كاغيتهانه، ونهر علي بيه في أرناؤوط كوي، ونهرا ريفا وتشاملي بهتشه في بيكوز". ولفت إلى اقتراب نهر أياماما من الفيضان، مشيراً إلى أن الشارع الذي لقي فيه شخص حتفه في أيازاغا يُدعى "ديري بويو"، أي "ضفة النهر".

وأضاف يافاشلي: "يقع جزء كبير من هذه الأماكن فوق مجاري الأنهار القديمة أو ضمن سهولها الفيضية. المياه التي مُحيت من الخرائط، ولم تُمحَ من الأرض، وجدت طريقها".

المجاري المائية في إسطنبول

وتشير دراسة ترجع لعام 2015 استند إليها يافاشلي إلى أن 17% من شبكة المجاري المائية في إسطنبول، الممتدة لنحو 2400 كيلومتر، تم تحويلها إلى مجارٍ مغطاة ومنشآت خرسانية وأنفاق أرضية بدلاً من بقائها في مساراتها الطبيعية المفتوحة.

التمدن العشوائي ومعدلات الوفيات داخل المنازل

رغم تحذيرات الخبراء من تفاقم الظواهر المتطرفة بفعل الاحترار العالمي، يعتبر مختصون أن الوقت ما زال مبكراً للربط القاطع بين فيضانات إسطنبول الأخيرة والتغير المناخي، مؤكدين أن المخاطر قائمة في المدينة بمعزل عن هذا العامل.

وقال قهرمان: "كانت تركيا تشهد فيضانات من هذا النوع وخسائر بشرية كبيرة حتى قبل تغيّر المناخ. ويؤدي التوسّع العمراني العشوائي وضعف البنية التحتية دوراً كبيراً في سقوط الضحايا، فضلاً عن الأضرار المادية".

وكشف قهرمان عن دراسة شارك فيها شملت بلداناً أوروبية ومتوسطية، بيّنت أن معدل الوفيات الناجمة عن الفيضانات داخل البيوت في تركيا يتجاوز نظيره في البلدان الغربية بفارق كبير، مؤكداً: "ومع أن تغيّر المناخ يفاقم الخطر اليوم، فإن التوسّع العمراني العشوائي وضعف البنية التحتية يؤديان أيضاً دوراً حاسماً في تحوّل هذه الظواهر إلى كوارث".

سبل مواجهة الفيضانات وتطوير التخطيط العمراني

أرض رطبة على نهر الفرات.
يمكن لمساحة تزيد قليلاً على دونم واحد من الأراضي الرطبة أن تستوعب نحو 5.7 مليون لتر من مياه الفيضانات.

وعن الحلول الممكنة للحد من الكوارث في كبرى المدن التركية، شدد يافاشلي على أن: "الأسطح التي لا تسمح بتسرّب المياه تجعلها تجري بسرعة أكبر بكثير، وهذا الجريان السريع يؤدي إلى الفيضانات. الأمطار الغزيرة ظاهرة طبيعية، لكننا نحن من يحوّلها إلى فيضانات".

ويرى المختصون أن حماية المسارات الطبيعية للمياه، والحد من انتشار الخرسانة، وتحسين شبكات التصريف تمثل ركائز أساسية لتفادي أخطار السيول مستقبلاً.

سيارات جرفتها السيول تتكدّس وسط الطريق، وأشخاص يشقّون طريقهم عبر الوحل.

وشدد عبد الله قهرمان بدوره على أهمية الاعتماد على تقنيات النمذجة الحديثة لتقييم المخاطر، مستشهداً بالتجربة البريطانية: "لدينا 16 محاكاة منفصلة لإنجلترا، تمتدّ كلٌّ منها على مئة عام، بدقة مكانية على مستوى الكيلومتر. ونُجري نمذجة مستقلة للفيضانات ودراسات لتقييم آثارها لكل حالة من آلاف حالات الأمطار المتطرفة التي تُظهرها هذه المحاكاة".

وأشار قهرمان إلى أن هذه النماذج تحدد السعة المطلوبة لشبكات التصريف في كل منطقة بدقة، معتبراً أن الاستثمار في البنية التحتية سيظل أقل كلفة بكثير مقارنة بالخسائر الفادحة التي تسببها الكوارث مستقبلاً.

أبرز ما جاء في الخبر

  • وتسببت السيول في غمر آلاف المنازل ومئات المحال التجارية بالمياه، ما أدى إلى شلل شبه تام في الحركة بعدة مناطق.
  • وأفاد وزير الداخلية مصطفى تشيفتشي بأن كميات الأمطار المسجلة وصلت في بعض المناطق إلى 272 كيلوغراماً لكل متر مربع.
  • وقال قهرمان في تصريحات لبي بي سي التركية: "تُظهر هذه الأرقام مدى استثنائية كمية الأمطار التي قِيست في بيكوز وبلغت 272 كيلوغراماً لكل متر مربع.
  • وللمقارنة، يبلغ متوسط هطول الأمطار السنوي في إسطنبول 660 كيلوغراماً لكل متر مربع".
📰 المصدر: BBC
المصدر: 24 ساعة نيوز

شاهد أيضًا

اترك رد

24 ساعة نيوز