ألقى خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر الشريف، فضيلة أ.د. محمد عبد المالك، نائب رئيس جامعة الأزهر السابق، ودار موضوعها تحت عنوان "الإسلام منهج حياة"، مؤكدا أن الإسلام ليس مجرد عبادات وشعائر، وإنما منهج متكامل يجمع بين العقيدة الصحيحة والعبادة الخالصة والأخلاق الفاضلة والمعاملات القائمة على العدل والإحسان والمساواة، ويهدي الإنسان إلى حياة يسودها النور والرحمة والإنصاف، وهو ما يعكس شمولية الإسلام وقدرته على تنظيم حياة الإنسان في مختلف جوانبها، وما يتضمنه من قيم إيمانية وأخلاقية وإنسانية تحقق صلاح الفرد واستقرار المجتمع.
نعم الله على الإنسان
وبيّن فضيلة الدكتور محمد عبد المالك، أن المولى أنعم على الإنسان بنعم لا تعد ولا تحصى، ذكر تعالى: "وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا"، وأعظمها نعمة الإسلام، الذي جعله نورا وروحا وحياة للأبدان والأرواح، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ"، وقوله سبحانه: "وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ".
العقيدة الخالصة
وأبان أن المقصود بالروح هو القرآن الذي يمثل حياة للقلوب ونورا يهدي الإنسان إلى طريق الحق، إضافة إلى أن شمولية الإسلام تقتضي امتداد منهجه إلى جميع مجالات الحياة، من العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات، إلى الجوانب الاجتماعية والسياسية وغيرها، والقرآن الكريم جاء بالعقيدة الخالصة القائمة على توحيد الله سبحانه وتعالى، فهو واحد في ذاته لا شريك له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا مثيل له، لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء، أفاد تعالى: "لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ". وتابع أنه فضلاً عن أن الإسلام يدعو الإنسان إلى التفكر والتدبر في آيات الله الكونية للاستدلال على عظمته ووحدانيته، بالنظر في السماء وأبراجها، والأرض وفجاجها، والبحار وأمواجها، والكواكب وهي تسبح في أرجائها، بما يعمق الإيمان في القلوب ويقود الإنسان إلى معرفة خالقه والتسليم بعظمته.
الإسلام لم يقتصر على ترسيخ العقيدة
وجدّد تأكيده على فضيلة الدكتور محمد عبد المالك أن الإسلام لم يقتصر على ترسيخ العقيدة، بل جاء ليوجه الإنسان في جميع أعماله إلى الله وحده، فالصلاة والاستعانة والتوكل والذبح والنذر كلها للمولى عز وجل، أفاد تعالى: "قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ"، والإخلاص يمثل جوهر العبادة وقوام قبول العمل، قال تعالى: "قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا"، هذه الآية نزلت حين جاء رجل إلى رسول ﷺ فقال: يا نبي الله، إني أحب الجهاد في سبيل الله، وأحب أن يرى موطني ويرى مكاني، فأنزل الله عز وجل هذه الآية، لتؤكد أن العمل الصالح لا بد أن يكون خالصا لوجه الله، بعيدا عن الرياء وطلب السمعة والثناء. وتابع: كما جاء الإسلام بالأخلاق الفاضلة والآداب السامية، لهداية الناس إلى سواء السبيل، وانقطاع الإنسان عنها يجعله أسير الأهواء، فتتحول الحياة إلى صراع يفتك فيها القوي بالضعيف، وتختل فيه موازين العدل والرحمة، وهو ما تشهده المجتمعات حين تتحكم الأطماع في العلاقات بين الناس والشعوب، والإسلام جاء ليقيم حياة الإنسان على الصدق والعدل والأمانة. وبيّن نائب رئيس جامعة الأزهر السابق أن الإسلام أقام العلاقات على أساس الإنسانية المشتركة، ذكر تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا"، وهذه الوحدة الإنسانية تقتضي التراحم والتعاون واحترام كرامة الإنسان، فضلاً عن أن الإسلام قرر المساواة التامة بين الناس، فلا فرق بين غني وفقير، ولا بين صاحب منصب أو بسيط، ولا بين رئيس ومرؤوس، وإنما التفاضل بالتقوى والعمل الصالح، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ".
أحكام الإسلام تسري على الجميع دون تمييز
لذلك- يقول خطيب الجامع الأزهر- فإن أحكام الإسلام تسري على الجميع دون تمييز، فالحلال حلال للجميع، والحرام حرام على الجميع، وهذا الملمح العظيم نلمحه في قول النبي ﷺ: "وأيم الله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها"، وسار الصحابة رضوان الله عليهم على هذا المنهج العظيم، ومن ذلك موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين أنصف قبطيا من مصر اشتكى ابن عمرو بن العاص، والي مصر، بعدما ضربه افتخارا بسلطان أبيه، فأمره عمر بالقصاص، ووجه إلى عمرو بن العاص كلمته الخالدة: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا؟، في موقف يجسد أسمى معاني العدالة وسيادة القانون، ويؤكد عدم وجود حصانة لصاحب سلطان أو جاه أمام حقوق الضعفاء والمظلومين.
الإسلام رسالة هداية ونور ورحمة
واختتم فضيلة الدكتور محمد عبد المالك بالتأكيد على أن الإسلام يقدم نموذجا حضاريا متكاملا في الرحمة والسماحة والعدل والمساواة، ويجعل كرامة الإنسان وحقوقه أساسا للعلاقات بين الناس، كما يجمع بين العقيدة الصحيحة والعبادة الخالصة والأخلاق الفاضلة والمعاملات العادلة في منهج واحد ينظم شؤون الحياة كلها، مشددا على أن هذه القيم ليست شعارات نظرية، وإنما مبادئ عملية ينبغي أن تنعكس على سلوك الأفراد والمجتمعات، ليبقى الإسلام رسالة هداية ونور ورحمة للإنسانية جمعاء.



