أوقفت الشرطة الإسرائيلية، صباح الاثنين، عشرة إسرائيليين للاشتباه في تورطهم بهجمات نفذها مستوطنون طالت فلسطينيين وصحفيين ودبلوماسيين أوروبيين في الضفة الغربية المحتلة خلال الأيام الأخيرة.
وأوضحت الشرطة أن التوقيفات جرت في عدة مناطق بوسط الضفة الغربية، في سياق عملية أمنية حملت اسم "ورقة الزيتون"، نُفذت بالتعاون مع جهاز الأمن العام "الشاباك" وبمساندة من قوات الجيش وحرس الحدود. وضبطت القوات بحوزة الموقوفين قرائن تربطهم بالاعتداءات، إلى جانب مصادرة عدد من المركبات، في وقت تتواصل فيه التحقيقات والتحركات الميدانية لملاحقة بؤر استيطانية عشوائية وخروقات لأوامر الإبعاد العسكرية.
وكانت الحصيلة الأولية تشير إلى توقيف ثمانية أفراد، قبل أن تُحدّث الشرطة العدد إلى عشرة في بيان صدر عند الساعة الثامنة وسبع وأربعين دقيقة من صباح الاثنين.
وفي سياق متصل، شدد المفتش العام للشرطة الإسرائيلية داني ليفي، على أن القانون يُطبق على الجميع في الضفة الغربية دون تمييز، مؤكداً التزام جهازه بإنفاذ العدالة بالتساوي. وجاءت تصريحاته كردّ ضمني على انتقادات الجيش، حيث أشار إلى ضرورة الفصل بين مسؤولية منع الاعتداءات ميدانياً قبل وقوعها، ومسؤولية التحقيق وملاحقة مرتكبيها بعد التنفيذ.
وتأتي هذه التحركات الأمنية في أعقاب اعتداءات وقعت يومي الجمعة والسبت؛ إذ استهدفت إحداها المصورة الصحفية الأمريكية هايدي ليفين، التي تعمل مع صحيفة "واشنطن بوست"، خلال تغطيتها لموسم قطف الزيتون قرب بلدة أبو فلاح شمال شرقي رام الله، ما تسبب في إصابتها بكسور في العمود الفقري وجروح بليغة نُقلت على إثرها إلى المستشفى.
وفي اليوم اللاحق، اعتدى مستوطنون ملثمون على وفد ضم دبلوماسيين أوروبيين ورجال دين قرب بلدة الطيبة خلال مشاركتهم في فعاليات قطف الزيتون. وطال الاعتداء دبلوماسيين من فرنسا وبلجيكا وبولندا، فضلاً عن رئيس بلدية فرنسي يبلغ 78 عاماً يدعى برنار بودو، والذي أفاد بتعرضه للضرب بالعصي والقضبان الحديدية وإسقاطه أرضاً رغم ارتدائه الوشاح الرسمي لرئاسة البلدية.
تباين حاد داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية

تزامنت التوقيفات مع تقارير لوسائل إعلام إسرائيلية تفيد بتصاعد الخلافات بين الجيش من جهة، والشرطة وجهاز الشاباك من جهة أخرى، حول آليات معالجة اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية.
وذكرت القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن مسؤولين عسكريين اتهموا الشاباك والشرطة بامتلاك بيانات واضحة عن هوية المحرضين الأساسيين دون اتخاذ إجراءات لاعتقالهم. وأشارت القناة إلى أن الجيش اضطر لتحويل ما بين 30 و40 في المئة من قواته الميدانية، التي كانت مخصصة لمواجهة العمليات الفلسطينية، للتعامل مع أعمال العنف التي يقترفها متطرفون يهود.
ونقلت القناة عن مسؤول عسكري تحذيره من أن تلك المجموعات تمثل "عصابات من المجرمين اليهود تقودنا نحو كارثة"، مؤكداً أنها تضم مئات العناصر الذين يتحركون بتوجيه منظم وتمويل ودعم قانوني وغطاء يشعرهم بالحصانة. ولفت المصدر إلى الإرباك الذي يعتري الجنود حيال التعامل مع المستوطنين وما إذا كان عليهم إطلاق النار على أفراد يهود، مع ما يحمله ذلك من تداعيات داخلية.
من جانبها، نقلت صحيفة "إسرائيل هيوم" عن مسؤول أمني أن الأوضاع باتت خارج السيطرة كلياً، مشيراً إلى أن أكثر من 40 في المئة من أنشطة الجيش في الضفة خلال الأشهر الماضية خُصصت لمعالجة هذه الاعتداءات؛ ويظهر التباين بين التقريرين في تركيز القناة 12 على نسبة القوات المحولة، مقابل تركيز الصحيفة على نسبة المهام والعمليات العسكرية.
مشاورات مرتقبة لرئيس الأركان لضبط التنسيق الأمني
إزاء هذا التوتر، يُرتقب أن يجتمع رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير، يوم الثلاثاء، مع قيادات من الشرطة والشاباك؛ لمناقشة تزايد اعتداءات المستوطنين ومعالجة ثغرات التنسيق المشترك.
وأفادت القناة 12 بأن زامير سيثير قضية الإحجام عن توقيف المحرضين الرئيسيين رغم توافر المعلومات الاستخبارية بشأنهم، إلى جانب بحث إعادة ضبط الاختصاصات وتطوير آليات التصدي للجرائم ذات المنطلقات القومية.
وتشمل المقترحات المطروحة على طاولة النقاش تأسيس غرفة عمليات وقيادة مشتركة، وفرض عقوبات مالية ومصادرة ممتلكات للمتورطين، وتدعيم انتشار حرس الحدود. ويطالب قادة ميدانيون بتوفير خمس سرايا متخصصة من حرس الحدود للتعامل مع هذا الملف، في حين ترجح التقديرات إمكانية الاكتفاء بتشكيل سرية واحدة. كما تُوجَّه انتقادات من داخل الأجهزة الأمنية إلى المنظومة القضائية لإفراجها السريع عن المشتبه بهم.
تصاعد الضغوط لإعادة الاعتقال الإداري بحق المستوطنين
تعد مسألة تفعيل الاعتقال الإداري بحق المتطرفين اليهود من أكثر النقاط إثارة للجدل، كونه إجراء يتيح الاحتجاز دون محاكمة استناداً إلى تقارير سرية. وكان وزير الدفاع يسرائيل كاتس قد أقر في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 إلغاء هذا الإجراء بحق المستوطنين، مع الإبقاء على التدابير الجنائية العادية، وهي خطوة حظيت بترحيب وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، بينما لاقت اعتراضات واسعة لكونها تقلص القدرة على الاستباق والردع.
وفي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول الجاري، أوردت "إسرائيل هيوم" أن رئيس الشاباك دافيد زيني حذر من إمكانية التوصية بالعودة للاعتقال الإداري إذا لم تتدخل القيادات الاستيطانية لكبح العنف، رغم تأكيده على تحفظه المبدئي على الإجراء وتفضيله بدائل تقنية مثل المراقبة الإلكترونية. وتتزايد المطالبات داخل الجيش في الوقت الراهن لاستعادة هذه الصلاحية، في ظل استمرار رفض وزير الدفاع.
استنكار دولي واسع ومطالبات بالمحاسبة
خلفت الاعتداءات الأخيرة ردود فعل شاجبة من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وعدة دول أوروبية. وأعرب وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو عن قلق واشنطن الشديد تجاه المشاهد المسجلة، مبيناً أن بلاده دعت الجانب الإسرائيلي إلى تبني نهج أكثر حزماً لردع المتطرفين اليهود.
ووصف السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي الاعتداء على هايدي ليفين بأنه "عمل إرهابي جبان"، داعياً إلى محاسبة الضالعين فيه وإجراء تحقيق شامل. كما زار وفد دبلوماسي أمريكي، الأحد، الكنيسة اللاتينية في بلدة الطيبة للقاء ممثلي الطائفة المسيحية عقب الحادثة.
من جانبه، استنكر الاتحاد الأوروبي بشدة الاعتداءات على الفلسطينيين والدبلوماسيين وطالب بمنع تكرارها ومحاكمة الفاعلين. وحث وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو السلطات الإسرائيلية على كبح الهجمات واعتقال منفذيها، في حين ربط نظيره البلجيكي ماكسيم بريفو بين التصعيد وسياسات الاستيطان، معلناً عزمه العمل على فرض عقوبات أوروبية. كما عبّرت بولندا عن إدانتها للاعتداء على ممثليها الدبلوماسيين ودعت إلى إجراءات إسرائيلية حازمة.
ردود الفعل داخل الساحة السياسية الإسرائيلية
أصدر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بياناً باللغة الإنجليزية حذر فيه من الاستنتاجات المتعجلة قبل انتهاء التحقيقات، مشككاً في صحة بعض الروايات، ولفت إلى أن تحرك الوفد الأوروبي جرى في منطقة حساسة دون تنسيق عسكري مسبق، وهو ما جرّ انتقادات واسعة خاصة بعد انتشار مقاطع مصورة توثق الحادثة.
وفي وقت لاحق، دان نتنياهو الاعتداءات في تصريحات باللغة العبرية، معتبراً إياها مسيئة لسمعة إسرائيل ولجمهور المستوطنين، وأعلن تكليف الشاباك بمتابعة ملف المتورطين.
في المقابل، زار رئيس حزب الديمقراطيين يائير غولان المصورة هايدي ليفين برفقة عضو الكنيست غلعاد كاريف؛ للاطلاع على تفاصيل الاعتداء، وتعهد بأنه سيتولى بنفسه استعادة سلطة القانون والنظام في الضفة الغربية حال انضمامه للحكومة المقبلة.
تواتر الاعتداءات مع موسم قطف الزيتون

تترافق هذه الأحداث مع وتيرة متزايدة من التوترات التي تواكب موسم قطف الزيتون في الأراضي الفلسطينية؛ إذ وثقت منظمة "يش دين" الحقوقية الإسرائيلية ما لا يقل عن 170 واقعة عنف منذ أواخر سبتمبر/أيلول المنصرم، وسط انتقادات لضعف الملاحقات القضائية في مثل هذه القضايا.
وكانت صحيفة "إسرائيل هيوم" قد كشفت قبل أيام عن عزم الجيش تعزيز قواته في الضفة الغربية، للتعامل مع تصاعد الاحتكاكات المرتبطة بقطف الزيتون، وقرب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول الجاري.
وتبقى التساؤلات قائمة حول مدى فاعلية التوقيفات الأخيرة وقدرتها على قيادة المشتبه بهم للمحاكمة، أم أن الانقسام الداخلي بين الأجهزة الأمنية والرفض السياسي لإعادة الاعتقال الإداري سيفرضان قيوداً على احتواء هذا التصعيد.
أبرز ما جاء في الخبر
- أوقفت الشرطة الإسرائيلية، صباح الاثنين، عشرة إسرائيليين للاشتباه في تورطهم بهجمات نفذها مستوطنون طالت فلسطينيين وصحفيين ودبلوماسيين أوروبيين في الضفة الغربية المحتلة خلال الأيام الأخيرة.
- وأوضحت الشرطة أن التوقيفات جرت في عدة مناطق بوسط الضفة الغربية، في سياق عملية أمنية حملت اسم "ورقة الزيتون"، نُفذت بالتعاون مع جهاز الأمن العام "الشاباك" وبمساندة من قوات الجيش وحرس الحدود.
- وكانت الحصيلة الأولية تشير إلى توقيف ثمانية أفراد، قبل أن تُحدّث الشرطة العدد إلى عشرة في بيان صدر عند الساعة الثامنة وسبع وأربعين دقيقة من صباح الاثنين.
- ووصف السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي الاعتداء على هايدي ليفين بأنه "عمل إرهابي جبان"، داعياً إلى محاسبة الضالعين فيه وإجراء تحقيق شامل.



