10:59 مساءً
الجمعة 16 أكتوبر
أخبار اليوم

حكم إيطالي بأسوأ كارثة بحرية: تعويضات بـ60 مليون يورو لضحايا السلام 98

16 أكتوبر 2026506 دقائق قراءة

بعد نحو 20 عاماً على كارثة غرق العبّارة المصرية "السلام بوكاتشيو 98" في مياه البحر الأحمر، أصدرت محكمة مدنية بمدينة جنوة الإيطالية حكماً يلزم شركة "رينا"، المتخصصة في تصنيف السفن واختبار سلامتها، بدفع تعويضات تتجاوز 60 مليون يورو لنحو 700 شخص من أقارب الضحايا والناجين، إثر ثبوت مسؤوليتها المدنية عن الحادث.

ولا يقتصر الحكم، الصادر في 17 سبتمبر/أيلول والمُعلن عنه في أكتوبر/تشرين الأول 2026، على إقرار مسؤولية الشركة عن عيوب فنية تسببت في الغرق، بل يعالج أيضاً التفاوت في التعويضات التي حصلت عليها بعض النساء في مصر مقارنة بأقاربهن الذكور من نفس درجة القرابة.

ويعيد هذا الحكم الأولي، القابل للطعن أمام محكمة الاستئناف، فتح ملف واحدة من أبشع الكوارث البحرية في التاريخ الحديث، بعدما استمرت النزاعات القضائية حول مسؤولية جهات الفحص والتصنيف لسنوات طويلة حتى بعد إغلاق الملف الجنائي في مصر.

"المركب بتغرق يا قبطان"

أحد الناجين من غرق العبارة

شهدت الساعات الأولى من صباح يوم الثالث من فبراير/شباط 2006 إبحار العبّارة "السلام بوكاتشيو 98" من ميناء ضبا السعودي متجهة إلى ميناء سفاجا المصري، وعلى متنها أكثر من 1400 شخص، غلبيتهم من العمال المصريين القادمين من السعودية، إضافة إلى حجاج ومعتمرين.

وعقب الانطلاق، اندلعت نيران في قسم السيارات، ودخل الطاقم في محاولات للإطفاء، لكن المياه أخذت تتراكم داخل السفينة مما أدى لميلها تدريجياً قبل أن تغرق في أعماق البحر الأحمر.

وسجل جهاز بيانات الرحلة (الصندوق الأسود) نداءات الاستغاثة الأخيرة من داخل السفينة؛ حيث أظهرت مقتطفات تداولتها وسائل إعلام مصرية صرخات البحارة للربان: "المركب بتغرق يا قبطان"، وتلتها النداءات الأخيرة: "المركب غرقت يا قبطان"، وسط صرخات الركاب والمطالبات بستر الملاحة ومراكب الإنقاذ.

ولم ينجُ من الكارثة سوى بضع مئات، بينما لقي أكثر من ألف شخص حتفهم، في واحدة من أشد الفجائع البحرية قسوة في تاريخ مصر المعاصر.

كيف غرقت العبّارة؟

صورة أرشيفية للعبارة في نوفمبر تشرين الثاني عام 1999
يستحق الانتباه

لم تتوقف أسباب غرق "السلام 98" عند نشوب الحريق فحسب، بل اجتمعت عوامل متعددة شملت محاولات الإطفاء وتجمع المياه في ساحة السيارات، ما أخلّ بتوازن السفينة وترافق مع القرارات المتخذة للتعامل مع الأزمة.

فقد أدى إغراق موقع الحريق بالمياه إلى تجمع كميات كبيرة منها في منطقة السيارات دون تصريفها بالشكل المطلوب، ما زاد من ميل السفينة جانباً وجعل معالجة الاتزان أكثر تعقيداً، حتى دخلت مياه البحر إليها وانقلبت رأساً على عقب.

وأوضح الحكم الإيطالي بُعداً جديداً في أسباب الفاجعة، مستنداً إلى تقرير خبرة فنية أفاد بأن السفينة تضم تصميماً غير مألوف لم توضحه الوثائق الفنية المتاحة لطاقم الملاحة.

وبحسب حسن الشلقامي، أستاذ النقل البحري، فإن إحدى النقاط الجوهرية ارتبطت بفتحات تنفيس خزانات الاتزان التي صُممت لتقوم بتصريف المياه الزائدة إلى داخل منطقة السيارات بدلاً من الخروج بها خارج السفينة.

ورأت المحكمة أن عدم بيان هذه التفاصيل الفنية في أدلة التشغيل، وغياب التعليمات باللغة التي يفهمها الطاقم، حدّ من قدرتهم على اتخاذ القرارات الصحيحة في وقت الأزمة. وأشار الشلقامي إلى أن الحكم حمّل "رينا" المسؤولية المدنية لقصورها في الفحص والتصنيف وإصدار شهادات السلامة دون توضيح المخاطر.

في المقابل، تؤكد "رينا" نفيها للمسؤولية، مشيرة إلى أن تحقيقات وقرارات قضائية سابقة حصرت المسؤولية في مالك العبّارة وقبطانها دون ثبوت أي تقصير على الشركة.

من المحاكم المصرية إلى حكم في إيطاليا

مجموعة من الناجين بعد إنقاذهم وعودتهم لمدينة الغردقة عام 2006
مجموعة من الناجين بعد إنقاذهم وعودتهم لمدينة الغردقة عام 2006

تسببت الكارثة في موجة غضب عارمة بمصر، وتركزت الاتهامات حول مالك الشركة ومدى الالتزام بمعايير الأمان ودور جهات المعاينة.

وكان ممدوح إسماعيل، مالك العبّارة ورئيس شركة السلام للنقل البحري، يتمتع بحصانة برلمانية لكونه عضواً بمجلس الشورى حينها، وغادر إلى لندن بعد الحادث قبل صدور قرار منع السفر، ما أثار استياء الأسر المطالبة بالمحاسبة.

وفي يوليو/تموز 2008، برأت محكمة جنح سفاجا المتهمين في حكم أولي، إلا أن النيابة العامة استأنفت الحكم، لتقضي محكمة جنح مستأنف سفاجا في مارس/آذار 2009 بسجن إسماعيل 7 سنوات غيابياً، إضافة لأحكام بالسجن على مسؤولين آخرين في الشركة.

واستمر إسماعيل بالخارج حتى انقضت عقوبة السجن بمضي المدة القانونية كما أُعلن في ديسمبر/كانون الأول 2014، وتم رفع اسمه من قوائم الترقب ومخاطبة الإنتربول لإيقاف الملاحقة.

ولم يقف مسار التقاضي عند هذا الحد؛ إذ توجه أهالي الضحايا والناجون إلى القضاء الإيطالي برفع دعوى مدنية ضد "رينا" والجهة التابعة لها اللتين تولتا فحص السفينة وتصنيفها.

ودافعت الأسر بأن القشور في الفحص وإصدار الشهادات ساهم في غرق السفينة، بينما تمسكت "رينا" بأنها عملت بتفويض من بنما (دولة العلم) ودَفَعَت بالحسانة القضائية للدول.

ولحل هذا الدفع القانوني، أحالت محكمة جنوة السؤال إلى محكمة العدل الأوروبية، التي أصدرت حكماً في مايو/أيار 2020 يُقر بأن التفويض الممنوح لشركة خاصة لا يمنحها حصانة سيادية تلقائياً إلا إذا مارست سلطات عامة.

ومهد هذا القرار الطريق أمام المحكمة الإيطالية للنظر في جوهر الدعوى، لتخلص في النهاية لإلزام "رينا" بدفع أكثر من 60 مليون يورو لأكثر من 700 شخص، بعدما كانت المطالبات الأصلية تتجاوز 300 مليون يورو.

تعويضات النساء.. خلاف يتجاوز قيمة الأموال

إحدى الناجيات أثناء نقلها من ميناء الغردقة المطل على البحر الأحمر عام 2006

تطرق الحكم إلى مسألة التفاوت في التعويضات الصادرة سابقاً بمصر بين النساء وأقاربهن الرجال من ذات الدرجة استناداً لقواعد أحكام الشريعة الإسلامية.

واعتبرت المحكمة الإيطالية هذا التفاوت خرقاً لمبدأ المساواة في النظام العام الإيطالي، وقضت بإلزام "رينا" بدفع الفروق المالية لبعض النساء اللاتي حصلن على تعويضات سابقة.

في حين اعتمدت المحكمة في تقييم حقوق المستحقين الذين لم يتلقوا تعويضات سابقة على جداول ميلانو، وهي مبالغ تفوق كثيراً ما دُفع في مصر، مع الأخذ في الاعتبار تباين الحالات وطبيعة الضرر والإجراءات.

بعد عشرين عامًا.. من المسؤول عن ضمان سلامة السفن؟

مواطن يبحث عن ذويه بين صور الضحايا المجهولين من ركاب العبارة
مواطن يبحث عن ذويه بين صور الضحايا المجهولين من ركاب العبارة

يطرح الحكم الإيطالي مجدداً تساؤلات حول حدود مسؤولية شركات المعاينة والتصنيف في الكوارث البحرية الناجمة عن عيوب فنية.

ويرى الشلقامي أن شركات التصنيف لا تدير السفن بل تفحصها وتصدر شهادات صلاحيتها للإبحار، مشيراً إلى أن المسؤولية تتوزع بين عدة أطراف، لكن المسؤول الرئيسي يظل الشركة المشغلة والقبطان باعتباره "رئيس جمهورية السفينة" والمكلف بالتأكد من صلاحية كافة التجهيزات وإجراءات الأمان.

وخلصت المحكمة الإيطالية في قضية "السلام 98" إلى أن القصور في عمل "رينا" ارتبط بمخاطر تصميمية لم تُوضح للطاقم بالشكل الكافي، مما أثر على القرارات المتخذة أثناء مواجهة الحريق والميل.

أبرز ما جاء في الخبر

  • وأشار الشلقامي إلى أن الحكم حمّل "رينا" المسؤولية المدنية لقصورها في الفحص والتصنيف وإصدار شهادات السلامة دون توضيح المخاطر.
  • في المقابل، تؤكد "رينا" نفيها للمسؤولية، مشيرة إلى أن تحقيقات وقرارات قضائية سابقة حصرت المسؤولية في مالك العبّارة وقبطانها دون ثبوت أي تقصير على الشركة.
  • من المحاكم المصرية إلى حكم في إيطاليامجموعة من الناجين بعد إنقاذهم وعودتهم لمدينة الغردقة عام 2006
  • وخلصت المحكمة الإيطالية في قضية "السلام 98" إلى أن القصور في عمل "رينا" ارتبط بمخاطر تصميمية لم تُوضح للطاقم بالشكل الكافي، مما أثر على القرارات المتخذة أثناء مواجهة الحريق والميل.
📰 المصدر: BBC
المصدر: 24 ساعة نيوز

شاهد أيضًا

اترك رد

24 ساعة نيوز