قبل أيام من انطلاق الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، تتجاوز المنافسة مجرد الحصول على أكبر عدد من المقاعد في الكنيست لتتحول إلى معركة معقدة على رئاسة الحكومة. وتظهر استطلاعات الرأي أن أياً من المعسكرين الأساسيين قد لا يتمكن من ضمان أغلبية برلمانية، مما يفتح الباب أمام مفاوضات شاقة قد تنتهي دون تشكيل حكومة جديدة.
فالفوز بأكبر عدد من المقاعد لا يضمن كفالة تشكيل الحكومة تلقائياً، إذ يشترط القانون الحصول على 61 مقعداً على الأقل. وكان الناخبون قد توجهوا إلى صناديق الاقتراع ثلاث مرات بين عامي 2019 و2020 نتيجة عجز القوائم الفائزة بالمركز الأول عن بناء ائتلاف حاكم.
في هذا السياق، يخوض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مواجهة سياسية حاسمة ضد خصوم يستهدفون إنهاء حكمه. ولا تقتصر المعادلة على عدد المقاعد التي سيمتلكها حزب الليكود، بل تتوقف على قدرة نتنياهو أو منافسيه على بناء تحالف يحظى بثقة الكنيست.
معسكران رئيسيان
تتركز المنافسة الانتخابية بين معسكرين رئيسيين: الأول يقوده نتنياهو، والثاني يضم شخصيات وأحزاباً تسعى إلى الإطاحة به.
ويعتمد نتنياهو على حزب الليكود وتحالفاته مع اليمين واليمين المتشدد والأحزاب الدينية، وفي مقدمتها حزب "القوة اليهودية" برئاسة إيتمار بن غفير، و"الصهيونية الدينية" برئاسة بتسلئيل سموتريتش، بالإضافة إلى حزبي "شاس" و"يهدوت هتوراه".
في المقابل، تبرز قيادات مناهضة لاستمرار نتنياهو، تضم رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت، ورئيس الوزراء الأسبق نفتالي بينيت، وزعيم المعارضة يائير لابيد، وأفيغدور ليبرمان زعيم "إسرائيل بيتنا"، ويائير غولان قائد حزب "الديمقراطيون".
وتتفاوت التوجهات السياسية لهذه الشخصيات؛ إذ ينتمي بينيت وليبرمان إلى اليمين، ويتخذ لابيد مواقف وسطية، بينما يقود غولان تياراً يسارياً، ويطرح أيزنكوت نفسه كبديل وسطي لاستقطاب ناخبين من اتجاهات مختلفة. وتتوسع الاختلافات بين هؤلاء لتشمل قضايا جوهرية مثل العلاقة بين الدين والدولة، وتجنيد "الحريديم" في الجيش، ومستقبل الصراع مع الفلسطينيين، والسياسات الاقتصادية، والسلطة القضائية، وهو ما قد يعرقل اتفاقهم على تشكيل حكومة بديلة.
ماذا تقول استطلاعات الرأي؟

تعكس أحدث استطلاعات الرأي الإسرائيلية صورة متقاربة للأداء المحتمل للمعسكرين. فوفقاً لأربعة استطلاعات نشرتها القناة 12 والقناة 13 وقناة "كان" وصحيفة معاريف، يتصدر حزب "ياشار" استطلاعات الرأي في عدة سيناريوهات متفوقاً على الليكود.
ويمنح متوسط نتائج هذه الاستطلاعات أحزاب المعارضة اليهودية نحو 51 مقعداً، مقابل عدد مماثل تقريباً لمعسكر نتنياهو، فيما تحصل الأحزاب العربية على نحو 14 مقعداً. وتكشف هذه التقديرات عن عجز أي من الطرفين عن حسم تشكيل الحكومة بمفرده.
ولا يزال توزيع المقاعد عرضة للتغير، لا سيما بالنسبة للأحزاب الصغيرة التي تسعى لتجاوز نسبة الحسم البالغة 3.25% من الأصوات الصحيحة؛ إذ إن عدم عبور هذه النسبة يعني خسارة كافة الأصوات وتغيير موازين القوى، علماً أن الاستطلاعات تقدم مؤشرات عامة قد لا تطابق النتائج النهائية بالكامل.

لماذا يعد الرقم 61 حاسماً في السياسة الإسرائيلية؟
يتطلب تشكيل الحكومة نيل ثقة أغلبية برلمانية لا تقل عن 61 مقعداً من أصل 120 مقعداً في الكنيست، لضمان استقرارها وتمرير التشريعات والميزانية.
وفي ظل هذه الحسابات، قد يتحول حزب صغير يمتلك 4 أو 5 مقاعد إلى عنصر حاسم في المفاوضات إذا كانت مشاركته تمنح أحد المعسكرين الأغلبية المطلوب تحقيقها، لتصبح قوته السياسية مرتبطة بمدى حاجة الكتل الأخرى إليه.
الأحزاب العربية: هل يمكن أن تحسم النتيجة؟
توضح الاستطلاعات الحديثة إمكانية حصول القوائم العربية على مقاعد تكفي نظرياً لترجيح كفة المعارضة على حساب معسكر نتنياهو. غير أن هذه الحسابات تصطدم برفض عدد من قادة الأحزاب اليهودية المعارضة تشكيل حكومة تعتمد على مشاركة الأحزاب العربية أو دعمها.
ويعيد ذلك الجدل بشأن مكانة المواطنين العرب في النظام السياسي الإسرائيلي ومشاركتهم في صنع القرار، في وقت تشكل فيه قضايا الجريمة والعنف وهدم المنازل والتمييز والحرب في غزة ملفات محورية للناخب العربي.
وكانت حكومة نفتالي بينيت ويائير لابيد التي تشكلت عام 2021 قد شهدت مشاركة القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس في سابقة ائتلافية، إلا أن تكرار التجربة يبدو أكثر تعقيداً اليوم في ظل الاستقطاب الحالي. وحتى لو لم تشارك الأحزاب العربية في الحكومة، فإن ارتفاع نسبة تصويت العرب قد يؤثر في التوزيع الإجمالي للمقاعد وفرص الكتل الأخرى.

كيف يُختار رئيس الحكومة؟
عقب إعلان النتائج الرسمية، يجري الرئيس الإسرائيلي مشاورات مع ممثلي الأحزاب المنتخبة، ويتوجب عليه تكليف أحد أعضاء الكنيست بتشكيل الحكومة خلال 7 أيام بناءً على توصيات الكتل البرلمانية.
ويُمنح المكلف 28 يوماً لإنجاز المهمة، مع إمكانية التمديد لمدة لا تتجاوز 14 يوماً إضافياً لإبرام الاتفاقات الائتلافية وتوزيع الحقائب الوزارية والبرنامج السياسي. وإذا فشل المكلف الأول، يتنقل التكليف إلى عضو آخر في الكنيست قبل اللجوء لإعادة الانتخابات.
هل بإمكان نتنياهو الاحتفاظ بمنصبه حتى لو خسر الأغلبية؟
يمتلك نتنياهو أسبقية سياسية بصفته رئيس الحكومة الحالي، إذ ينص القانون على استمرار رئيس الوزراء في منصبه حتى تشكيل حكومة جديدة. وبناءً عليه، إذا لم تؤدِّ الانتخابات إلى ائتلاف بديل، فسيستمر نتنياهو في إدارة حكومة تصريف الأعمال خلال المفاوضات وحتى في حال الذهاب لانتخابات جديدة.
ورغم القيود السياسية والقانونية التي تفرض على الحكومة الانتقالية، فإن عجز خصوم نتنياهو عن التوصل لاتفاق قد يمنحه فرصة لإعادة ترتيب تحالفاته السياسية.
السيناريوهات المحتملة بعد 27 أكتوبر/تشرين الأول
تتعدد المسارات المتوقعة بعد اقتراع 27 أكتوبر/تشرين الأول؛ إذ يتمثل السيناريو الأول في نجاح نتنياهو وحلفائه في نيل الأغلبية وتشكيل الحكومة.
ويكمن السيناريو الثاني في حصول أحزاب المعارضة على المقاعد الكافية، لتنطلق مفاوضات داخلية معقدة بين قادتها حول من يتولى رئاسة الحكومة.
أما السيناريو الثالث، فهو عجز الطرفين عن تشكيل الأغلبية، مما قد يدفع باتجاه ترتيبات مثل حكومة وحدة واسعة أو تناوب على رئاسة الوزراء.
ويتجسد السيناريو الرابع في تعثر كافة المحاولات والعودة إلى صناديق الاقتراع، وهو سيناريو تكرر بخوض إسرائيل 5 انتخابات بين عامي 2019 و2022 جراء استمرار الأزمات الائتلافية.
هل ستكون الانتخابات استفتاءً على مستقبل نتنياهو؟
تأتي الانتخابات المقبلة بعد 3 سنوات من هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 الذي شنته حركة حماس والحرب التي تلت في غزة، حيث تركزت الحملات الانتخابية على المساءلة عن الإخفاقات الأمنية، وأداء الحكومة، والعلاقة مع الجيش، والأوضاع الاقتصادية، وتجنيد "الحريديم".
وفي حين يسعى نتنياهو لتقديم نفسه كقائد قادر على مواجهة التحديات الأمنية، يحاول خصومه إقناع الناخبين بأن استمراره يعني استمرار الأزمات الانقسامية. وتظل انتخابات 27 أكتوبر/تشرين الأول محطة قد تنقل حسم مستقبل نتنياهو من صناديق الاقتراع إلى طاولات المفاوضات بين الكتل الحزبية.
أبرز ما جاء في الخبر
- قبل أيام من انطلاق الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، تتجاوز المنافسة مجرد الحصول على أكبر عدد من المقاعد في الكنيست لتتحول إلى معركة معقدة على رئاسة الحكومة.
- فالفوز بأكبر عدد من المقاعد لا يضمن كفالة تشكيل الحكومة تلقائياً، إذ يشترط القانون الحصول على 61 مقعداً على الأقل.
- وكان الناخبون قد توجهوا إلى صناديق الاقتراع ثلاث مرات بين عامي 2019 و2020 نتيجة عجز القوائم الفائزة بالمركز الأول عن بناء ائتلاف حاكم.
- فوفقاً لأربعة استطلاعات نشرتها القناة 12 والقناة 13 وقناة "كان" وصحيفة معاريف، يتصدر حزب "ياشار" استطلاعات الرأي في عدة سيناريوهات متفوقاً على الليكود.



