صرح الدكتور أسامة قابيل، من علماء الأزهر الشريف، بأن شعور الإنسان بالظلم أو القهر وعدم القدرة على استعادة حقه يعد من أصعب المشاعر النفسية، مشيرًا إلى أن المرء في مثل هذه الظروف قد يتسرب اليأس إلى قلبه وتلتبس عليه الأمور، ويتساءل عن حكمة وجود الظلم في الدنيا رغم أن الله سبحانه وتعالى هو الحكم العدل.
الابتلاءات تكشف قدرة الإنسان على الصبر والثقة في الله
وأوضح قابيل، خلال مشاركته في برنامج "من القلب للقلب" المذاع على قناة "MBC Masr 2"، أن الله عز وجل خلق الإنسان ليمر بتجارب ومواقف مختلفة تهدف إلى تهذيب أخلاقه وتختبر مدى صبره وتحمله، وتزيد من معرفته بربه وبنفسه، مشددًا على أن حكم الله وعدله نافذان في خلقه وتدبير شؤونهم في كل وقت، ولا يرتبطان بيوم القيامة فحسب.
واستشهد بقول الله تعالى: "إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ"، لافتًا إلى أن الإيمان باسم الله "الحكم" وصفة العدل الإلهي يمنح النفس الطمأنينة ويزيد الثقة في تدبير الله وحكمته، حتى في اللحظات التي لا يدرك فيها الإنسان أسباب الابتلاءات أو المواقف المؤلمة.
الدعاء بالرضا بعد القضاء يعين الإنسان على تجاوز الشدائد
وأضاف أن المسلم ينبغي له استحضار دعاء "اللهم إني أسألك الرضا بعد القضاء" في أوقات الشدة، مؤكدًا أن اليقين بحكمة الله وعدله يُمكّن الإنسان من تجاوز لحظات الضعف والانكسار، ويمنعه من الاستسلام لليأس عند تأخر الحصول على حقه.
وأشار قابيل إلى أن الفرد قد يتبع الطرق القانونية والمشروعة لاسترداد حقه، لكنه قد يصطدم بعوائق مثل النفوذ أو العلاقات أو الأوراق التي تحول دون ذلك، فيشعر بأنه خسر المعركة بينما يبدو الظالم منتصرًا، موضحًا أن هذه الصورة الظاهرية لا تعني نجاة الظالم من الحساب أو ضياع حق المظلوم عند الله.
واستدل بالحديث القدسي الذي رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا" (رواه مسلم)، مؤكدًا أن تحريم الظلم قاعدة أصيلة في الإسلام، وأن امتلاك القوة أو السلطة أو المال لا يمنح أحداً الحق في الاعتداء على الآخرين أو سلب حقوقهم.
وحذر من الاغترار بالنفوذ، مشيرًا إلى أن الظالم قد ينام مطمئنًا بانتصاره الظاهري، بينما يستمر المظلوم في رفع شكواه إلى الله، مستشهدًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" (متفق عليه)، وهو ما يحمل تحذيرًا شديدًا لكل من يتجاوز حدود الله في معاملاته.
الإيمان بعدل الله يقتضي العدل في التعامل مع الآخرين
وتابع أن معاني اسمي الله "الحكم" و"العدل" يجب أن تنعكس عمليًا على سلوك الإنسان في حياته اليومية، سواء في نطاق العمل أو الأسرة أو الصداقة أو المعاملات التجارية، مؤكدًا أن الإيمان بعدل الله يفرض على المرء أن يلتزم بالعدل في تصرفاته وألا يكون سببًا في ظلم غيره.
تأخر القصاص في الدنيا لا يعني ضياع الحقوق يوم القيامة
وبين قابيل أنه لا ينبغي التعامل مع الحياة الدنيا باعتبارها محطة الحساب الأخيرة، فهناك حياة البرزخ ثم البعث والحساب يوم القيامة، حيث تتجلى الحقائق وتُرد الحقوق، مستشهدًا بقول الله تعالى: "وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ ۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ" (سورة إبراهيم، الآية 42).
مصير الظالمين يوم القيامة
وشدد على أن الله سبحانه وتعالى وعد بإقامة العدل يوم القيامة، مستدلاً بقوله تعالى: "وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا" (سورة الأنبياء، الآية 47)، مؤكدًا أن تأخر استرداد الحقوق في الدنيا لا يعني ضياعها، وأن الواجب على المظلوم السعي لحقه بالوسائل المشروعة، مع تحذير الظالم من عاقبة التعدي، فالحساب عند الله قائم وعدله لا يضيع معه أي حق.



