شدّد على الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، أن الآثار التي يُعثر عليها في الأراضي المصرية هي من الأموال العامة للدولة، ولا تدخل في ملك الأفراد، سواء عُثر عليها في أراضٍ يملكونها مِلكًا صحيحًا مستقرًّا أو غير ذلك، ومن ثَمَّ فلا يحق للرجل المذكور تملُّكُ ما وجد من التماثيل الأثرية أثناء حفره في أرضه لبناء بيته، ولا حيازتُها ولا التصرفُ فيها، ويجب عليه شرعًا تسليمها إلى الجهات المختصة المعنية بهذا الشأن. جاء ذلك ردًا على سؤال ورد إلى لجنة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، من سائل يقول فيه: ما كيفية التصرف في الآثار التي يجدها الإنسان في ملكه؟
فقد اشترى رجلٌ قطعة أرض بإحدى محافظات مصر لبناء بيت عليها، وأثناء الحفر لبناء البيت وجد تماثيل أثرية قديمة، وتخوَّف من إعلام أي شخص بها حتى لا يطمع فيها أحد من الناس أو يعرِّض نفسه للخطر، ويرغب في معرفة التصرف الصحيح في هذه الحالة.
المقصود بالآثار في القانون المصري
وأشار المفتي إلى أن قانون حماية الآثار المصري الصادر برقم 117 لسنة 1983م وتعديلاته، في مادته الأولى بأنها: [يعد أثرًا كلُّ عقار أو منقول متى توافرت فيه الشروط الآتية: 1- أن يكون نتاجًا للحضارة المصرية أو الحضارات المتعاقبة، أو نتاجًا للفنون أو العلوم أو الآداب أو الأديان التي قامت على أرض مصر منذ عصور ما قبل التاريخ وحتى ما قبل مائة عام.
2- أن يكون ذا قيمة أثرية أو فنية أو أهمية تاريخية باعتباره مظهرًا من مظاهر الحضارة المصرية أو غيرها من الحضارات الأخرى التي قامت على أرض مصر. 3- أن يكون الأثر قد أنتج أو نشأ على أرض مصر أو له صلة تاريخية بها. وتعتبر رفات السلالات البشرية والكائنات المعاصرة لها في حكم الأثر الذي يتم تسجيله وفقًا لأحكام هذا القانون] اهـ.
* وأما المقصود بمال الركاز
ذهب فقهاء الحنفية إلى أن الركاز اسم يطلق على ما كان ذا قيمة مدفونًا في باطن الأرض، سواء أكان بفعل المخلوق، وهو الكنز، أم بأصل خِلقة الله سبحانه وتعالى، وهو المعدِن، فهو عندهم أعم منهما. أفاد العلامة الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 288، ط.
المطبعة الكبرى الأميرية): [(باب الركاز) وهو اسم لما يكون تحت الأرض خِلقة، أو بدفن العباد. والمعدن: اسم لما يكون فيها خلقة. والكنز: اسم لمدفون العباد] اهـ.
وأما جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة فقد ذهبوا إلى أن الركاز هو ما كان من دفين الجاهلية خصوصًا -على تفصيل عندهم في ذلك-، أي أن الركاز مال مدفون كان يمتلكه شخص جاهلي، وفسروا مرادهم بالجاهلي بأنه غير المسلم والذمي، فيشمل من كان قبل الإسلام ومن كان بعده، وقيل: المقصود به ما كان قبل الإسلام ولا يعرف مالكه ولم تبلغه الدعوة. ذكر الشيخ عليش المالكي في "منح الجليل" (2/ 81، ط.
دار الفكر): [الركاز (دفن) بكسر فسكون، أي: مدفون كافر (جاهلي) في "التوضيح": الجاهلية ما عدا المسلمين، كان لهم كتاب أم لا. وذكر أبو الحسن: اصطلاحهم أن الجاهلية أهل الفترة الذين لا كتاب لهم، وأما أهل الكتاب قبل الإسلام فلا يقال لهم جاهلية، وأراد المصنف به من ليس مسلمًا ولا ذميًّا] اهـ.
كيفية التصرف في مال الركاز بعد العثور عليه
جدّد تأكيده على مفتي الجمهورية، أن مآل الركاز بعد العثور عليه هو مما تعددت فيه كلمة الفقهاء: إذ ذهب الحنفية إلى أن الركاز إن وجد في أرض مملوكة فإنه يخرج منه الخمس، ويكون باقيه للمالك الذي خصه ولي الأمر بتملك تلك الأرض عند أول فتحها بالإسلام، ومن بعده تكون لورثته، وإن لم يكن له وارث أو كان له إلا أنه غير معروف فإن الركاز حينئذ يعود أمره إلى ولي الأمر، فيكون ملكًا لبيت المال. ذكر العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (2/ 322- 323، دار الفكر): [(قوله: خمس) أي سواء كان في أرضه أو أرض غيره أو أرض مباحة "كفاية".
أفاد قاضي خان: وهذا بلا خلاف؛ لأن الكنز ليس من أجزاء الدار، فأمكن إيجاب الخمس فيه، بخلاف المعدِن (قوله: أول الفتح) ظرف للمالك، أي: المختط له، وهو من خصَّه الإمام بتمليك الأرض حين فتح البلد (قوله: على الأوجَه) قال في "النهر": فإن لم يعرفوا -أي: الورثة- قال السرخسي: هو لأقصى مالك للأرض أو لورثته. وذكر أبو اليُسر: يوضع في بيت المال.
أفاد في "الفتح": وهذا أوجَه للمتأمل اهـ. وذلك لما في "البحر" من أن الكنز مودع في الأرض، فلما ملكها الأول ملك ما فيها، ولا يَخرج ما فيها عن ملكه ببيعها، كالسمكة في جوفها درة] اهـ.
وأما المالكية فقالوا بوجوب الخمس فيه إن امتلكه، وما تبقى منه يكون لمالك الأرض التي وجد فيها هذا المال بشرط أن يكون قد امتلكها بإحياء أو بإرث ممن أحياها، لا بشراء ولا بهبة، فإن كانت الأرض فتحت عنوة كان باقي الركاز للجيش، وإلا فلورثة الجيش، وإلا فلبيت المال وعموم المسلمين، وأما إن كانت فتحت صلحًا فجميع ركاز الأرض يكون للمصالحين بلا تخميس ثم لورثتهم، فإن انقرضوا كان الركاز كالمال الذي لم يعرف صاحبه. ذكر الشيخ عليش في "منح الجليل" (2/ 82): [وفيه الخمس، ويحتمل أن المراد الطلب بلا حفر ببخور وعزيمة (وباقيه) أي: الركاز المخمس أو المزكى (لمالك الأرض) التي وجد بها بإحياء، لا بشراء فهو للبائع على الأصوب، وجده هو أو غيره إن كان معينًا، بل (ولو) كان المالك لها (جيشًا) افتتحها عنوة؛ لأنها صارت وقفًا بمجرد الاستيلاء عليها، فهي كالمملوكة. فإن لم يوجد الجيش فلوارثه إن وجد، وإلا فللمسلمين، أو هذا مبني على أن أرض العنوة تقسم على الجيش، وأشار بـ"ولو" إلى قول مطرف وابن الماجشون وابن نافِع: ما وجد بأرض العنوة فباقيه لواجده، وأما باقي الندرة وما في حكمها فحكمه كالمعدن] اهـ.
وأما الشافعية فيرون أن الركاز ملك لواجده إذا كان في أرض موات أو في أرض أحياها، ويجب عليه الخمس فيه، أما إن وجده في أرض الغانمين أو أرض الفيء أو دار الحرب أو أرض موقوفة فإنه يكون لأصحاب هذه الأراضي، ولا يحق له امتلاكه، وكذلك الحال إذا كان عليه سمة تدل على صاحبه فترد عليه، أما إن وجده في مسجد أو شارع أو طريق نافذ ولا يعلم مالكه فيعد الموجود لقطة، فيعرِّفه الواجد كما يعرف اللقطة الموجودة على وجه الأرض، وكذلك الحال إذا لم يعلم هل الركاز جاهلي أم إسلامي؟ أفاد العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (2/ 103): [ويشترط في كونه ركازًا أيضًا أن يكون مدفونًا، فإن وجده ظاهرًا فإن علم أن السيل أظهره فركاز، أو أنه كان ظاهرًا فلقطة، وإن شك فكما لو شك في أنه ضرب الجاهلية أو الإسلام، قاله الماوردي، (فإن وجد) دفين (إسلامي) كأن يكون عليه شيء من القرآن أو اسم ملك من ملوك الإسلام (علم مالكه، فله) لا للواجد، فيجب رده على مالكه؛ لأن مال المسلم لا يملك بالاستيلاء عليه، (وإلا) بأن لم يعلم مالكه (فلقطة) يعرِّفه الواجد كما يعرف اللقطة الموجودة على وجه الأرض، (وكذا إن لم يعلم من أي الضربين) الجاهلي والإسلامي (هو) بأن كان مما لا أثر عليه كالتبر والحلي والأواني، أو كان مثله يضرب في الجاهلية والإسلام، فهو لقطة يفعل فيه ما مر، (وإنما يملكه) أي: الركاز (الواجد)] اهـ.
وأما الحنابلة فيعتبرون أن ملك الركاز إنما يكون لواجده إن وجده في أرض موات، أو شارع، أو أرض لا يعلم مالكها ولو على وجه الأرض، أو طريق غير مملوك، أو في خربة، أو في ملكه الذي أحياه، أو أرض انتقلت إليه ما لم يكن قد أودع مالكها الأول الركاز فيها، ويخرج واجد الركاز الخمس منه. أفاد الإمام ابن قدامة في "المغني" (3/ 52، ط.
مكتبة القاهرة): [قوله عليه السلام: «وَفِي الرِّكَاز الخُمُسُ» فإنه يدل بعمومه على وجوب الخمس في كل ركاز يوجد، وبمفهومه على أن باقيه لواجده من كان] اهـ.
كيفية التصرف في الآثار التي يجدها الإنسان في ملكه
وأبان الدكتور نظير محمد عياد، أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، وكان إدراكُ الواقع وتصوُّره ركنًا ركينًا لضبط الحكم الشرعي، فإن الفتوى في شأن الآثار وما يتعلق بها من أحكام الحيازة والتصرف وغيرها تنبني على أمور، أهمها: أولًا: ما يكتنف هذه الآثار من جهالةٍ في مالكها الأول أو ورثته، خاصة تلك المودعة في باطن الأرض منذ قرون بعيدة، مما يجعلها من قبيل المال الذي لا يعرف له مالك. ثانيًا: أن الآثار مظنة التنازع؛ لدوامها واستمرار الانتفاع بها من جهة ما تقدمه من فائدة تاريخية، وقيمة حضارية، وما تدره من دخل مالي نتيجة تكالب الدول الأخرى عليها، إما للانتفاع بها، أو لمجرد هدم الحضارات التي دلت عليها هذه الآثار، بل بمشاهدة الواقع الغالب نجد أنه جرّاء التنقيب عن الآثار تقوم الخصومة بين الإخوة والأصدقاء والغرباء بسبب الطمع الذي يحصل نتيجة العثور عليها، بل أدى في كثير من الأحيان لقتل الأرواح والنهب والسرقة، إضافة إلى ما يتعرض له بنو الإنسان من الخطر جراء البحث والتنقيب عنها، ولأجل ذلك وجب سد باب التنازع والتخاصم والتناحر.
ثالثًا: أن الآثار تعتبر من الأموال التي يتضرر مجموع الأمة لو اقتصر تملكها أو حيازتها أو التصرف فيها لحساب فرد واحد، بخلاف ما لو انتفع بها عموم الناس بما يحقق المصلحة العامة للجميع، كعمل المتاحف وزيادة السياحة والاقتصاد الخاص للدولة التي تكفل جميع الأفراد وترعاهم، إضافة إلى عدم إهدار أو بيع تراثها الحضاري للدول الأخرى التي تستغل مثل هذه الأفعال لسرقة الحضارات. رابعًا: أن الحضارة المصرية هي إحدى أقدم وأعرق حضارات العالم التي عرفها التاريخ، فقد كانت ولا تزال مهد العلوم، بحيث أثْرَت العالَمَ بالابتكارات والإنجازات والإبداع في شتى العلوم والمعارف، كالطب، والهندسة، والتحنيط، والفَلَك، والكتابة وغيرها، مما جعلها منارة معرفية تَفُوق غيرها من الحضارات عبر التاريخ، وبذلك ملأ المصريون جنبات الأرض صناعةً وعمرانًا وعلمًا، فألجأهم ذلك إلى تسجيل تاريخهم دينيًّا وثقافيًّا وعلميًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا وحربيًّا -نقوشًا ورسومًا ونحتًا على الحجارة، وغير ذلك حفاظًا على هذه الهوية الحضارية.
وأفاد مفتي الجمهورية، عن ما سبق يتبين أن جميع الآثار من الناحية القانونية تعدّ من الأموال العامة التي لولي الأمر دون غيره حق التصرف فيها بما يعود بالنفع العام على أفراد المجتمع؛ لأن تصرف ولي الأمر في شؤون الناس مرهون بتحقق المصلحة، فهو راعٍ لمصالح الناس، مؤتمن على مقدراتهم. وجدّد تأكيده على الدكتور نظير محمد عياد، أن امتلاك الدولة لهذه الآثار له من المنافع والمصالح التي تعود على جميع أفراد الدولة بكافة أطيافها وأشكالها، من حفظ الهوية القومية والتراث الحضاري، وتعزيز الدخل القومي عبر السياحة والمتاحف، وتوثيق التاريخ العلمي للدولة المصرية، وما تدره من دخل مالي نتيجة إقبال المهتمين والدارسين من شتى أنحاء العالم لمشاهدة تلك الآثار التاريخية ودراستها.
أبرز ما جاء في الخبر
- جاء ذلك ردًا على سؤال ورد إلى لجنة الفتوى بدار الإفتاء المصرية، من سائل يقول فيه: ما كيفية التصرف في الآثار التي يجدها الإنسان في ملكه؟
- 2- أن يكون ذا قيمة أثرية أو فنية أو أهمية تاريخية باعتباره مظهرًا من مظاهر الحضارة المصرية أو غيرها من الحضارات الأخرى التي قامت على أرض مصر.
- أفاد العلامة الزيلعي الحنفي في "تبيين الحقائق" (1/ 288، ط.
- ذكر العلامة ابن عابدين في "رد المحتار" (2/ 322- 323، دار الفكر): [(قوله: خمس) أي سواء كان في أرضه أو أرض غيره أو أرض مباحة "كفاية".



