القاهرة، مصر (CNN)– تحيي الطرق الصوفية في مصر ذكرى قدوم رأس الإمام الحسين إلى العاصمة، القاهرة، من أثناء احتفالات وفعاليات دينية بدأت في 29 سبتمبر/ أيلول وتستمر حتى الليلة الختامية في 6 أكتوبر/ تشرين الأول، بمشاركة مريدي الطرق ومحبي آل البيت، فيما تتركز الفعاليات الرئيسية في منطقة مسجد الإمام الحسين بالقاهرة، إلى جانب احتفالات تقيمها الطرق في مقارها وأماكن أخرى. وتأتي الاحتفالات ضمن البرنامج الزمني للموالد الذي أعلنته المشيخة العامة للطرق الصوفية، ويبدأ بذكرى الإمام الحسين، قبل أن تنتقل الفعاليات إلى مولد سيدي أحمد البدوي بمدينة طنطا، ثم مولد سيدي إبراهيم الدسوقي بمدينة دسوق في محافظة كفر الشيخ. والإمام الحسين هو الحسين بن علي بن أبي طالب، سبط النبي محمد، ولد في المدينة المنورة واستشهد في معركة كربلاء سنة 61 هجرية، الموافق 680 ميلادية، وتحيي الطرق الصوفية ذكراه من أثناء استحضار سيرته ومكانته لدى محبي آل البيت.
وترتبط الاحتفالات برواية تاريخية تقول إن رأس الإمام الحسين انتقلت من عسقلان إلى القاهرة، واستقرت في الموضع المعروف راهناً بمسجد الإمام الحسين، كذلك تقول دار الإفتاء المصرية في فتوى قديمة إن مسألة موضع الرأس من المسائل التاريخية وليست من مسائل الاعتقاد، مع إيرادها روايات ومصادر تاريخية تؤيد انتقالها من عسقلان إلى مصر، من بينها ما أورده المؤرخ تقي الدين المقريزي عن وصول الرأس إلى القاهرة، إلى جانب مؤرخين آخرين أوردوا الرواية نفسها. وأفاد شيخ الطريقة الصديقة الشاذلية والمستشار العلمي السابق لمفتي الجمهورية، الدكتور مجدي عاشور إن الطرق الصوفية عندما تحيي ذكرى استقرار رأس الإمام الحسين، فإنها تحتفي بسيرته ومآثره وشمائله وما تحلى به من أخلاق، مستشهدا بقول النبي محمد: "حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسيناً، حسين سبط من الأسباط".
وأردف عاشور أن الاحتفال يركز على إحياء سيرة الإمام الحسين باعتباره حفيد النبي، وما اتصف به من أخلاق طيبة واقتداء بالنبي في معظم أحواله، مشيرا إلى أن الطرق الصوفية تستحضر منظومة الأخلاق التي كان يتحلى بها أحفاد النبي، ومن بينهم الإمام الحسين. وبيّن عاشور، في تصريحات خاصة لـ CNN بالعربية، أن إحياء هذه المنظومة الأخلاقية يأتي في ظل الحاجة إلى الرجوع إلى الأخلاق وإحيائها في الوقت الحالي، لافتا إلى أن كل طريقة صوفية تحتفل في مكانها أو في الأماكن التي تقيم فيها فعالياتها، سواء حول مسجد الإمام الحسين أو في أماكن أخرى.
ونوّه إلى أن هذه الاحتفالات تستهدف إحياء ذكرى الإمام الحسين وسيرته، إذ يرتبط قطاع كبير من المصريين بهذه الذكرى لما تمثله رواية ورود الرأس إلى القاهرة من مكانة، كما يمثل وجود آل البيت في مصر شرفا لأهلها. وحول الخلاف التاريخي بشأن مكان رأس الإمام الحسين، أفاد عاشور بأن هناك خلافا بين بعض العلماء حول وصول الرأس إلى مصر من عدمه، لكنه تابع أن التحقيق في الروايات والوثائق، من وجهة نظره، يؤكد وصولها إلى مصر. وأبان أن من بين ما يستند إليه في ذلك وثيقة محفوظة في معهد اللوفر، مؤرخة بعام 549، أفاد بأنها تتناول ورود الرأس إلى مصر، إضافة إلى ما وصفهما بشاهدي عيان من إحدى البلدات الأوروبية وثقا في هذه الوثيقة احتفال المصريين بقدوم رأس الإمام الحسين، إلى جانب روايات لدى الفقهاء والمحدثين تؤيد ذلك، مضيفا أن العلماء المعتبرين وعلماء الأزهر اتفقوا على استقرار الرأس في هذا المكان.
وعن امتداد الاحتفالات على مدار عدة أيام، بيّن عاشور أن الفترة من 29 سبتمبر وحتى 6 أكتوبر لا تمثل مدة ذات دلالة دينية محددة، وإنما ترتبط بطبيعة تنظيم الاحتفال، خاصة أن يوم القدوم غالبا ما يكون الثلاثاء الأخير من شهر ربيع الآخر، بينما تبدأ الاحتفالات قبل هذا الموعد بأيام لإتاحة الفرصة للطرق والمريدين والزائرين القادمين من المحافظات البعيدة للحضور والاستقرار في القاهرة قبل موعد الاحتفال. وفيما يتعلق بالانتقادات التي توجه أحيانا إلى احتفالات الطرق الصوفية، أفاد عاشور بأن "الاحتفالات في أصلها صحيحة من الناحية الشرعية، مع إمكانية وقوع بعض الأخطاء من جانب العوام، خاصة مع تجمع أعداد كبيرة من الناس"، موضحا أنه "إذا وقعت أخطاء مخالفة للشرع في أمر أصله جائز، فلا ينبغي تحريم الأصل بسبب عارض محرم، وإنما يجب توعية الناس بعدم الوقوع في هذه الأخطاء والرجوع إلى أصل جواز الاحتفال بهذه الذكرى".
وأفاد شيخ الطريقة العزمية، محمد علاء أبوالعزائم، بأن الاحتفالات بذكرى قدوم رأس الإمام الحسين تتضمن تلاوة القرآن، والحديث عن ذكرى كربلاء، وكيف وصلت رأس الإمام الحسين إلى مصر، مشيرا إلى أن فعاليات الاحتفال لا تقتصر على منطقة الحسين، وإنما تقام في مناطق أخرى كذلك، بحيث تحتفل بعض الطرق في مقارها، بينما يختار آخرون إقامة الاحتفالات في منازلهم أو أماكن أخرى. وأبان أبو العزائم، في تصريحات خاصة ل CNN بالعربية، أن امتداد الاحتفالات على مدار عدة أيام يرتبط بتعدد الطرق الصوفية المشاركة، إذ تحتفل عدة طرق في أيام مختلفة، وقد تشارك ثلاث أو أربع طرق في الاحتفال في اليوم نفسه، مشيرا إلى أن الموعد المعتاد للاحتفال بذكرى قدوم رأس الإمام الحسين هو الثلاثاء الأخير من شهر ربيع الثاني، بينما تمتد الاحتفالات هذا العام حتى 6 أكتوبر.
وتابع أن المناسبة ترتبط بذكرى قدوم رأس الإمام الحسين من عسقلان إلى القاهرة، مشيرا إلى أن الرأس، بحسب الرواية التي يستند إليها، استقرت في البداية في موضع بشارع المعز، قبل انتقالها إلى المسجد الموجود في الوقت الراهن في منطقة الحسين. ونوّه إلى أن هذه الذكرى تستحضر شهادة الإمام الحسين في كربلاء، والمكانة التي يمثلها آل البيت في الوجدان الديني، وما يرتبط بهم من احتفالات في مصر، لافتا إلى وجود عدد من آل البيت في القاهرة، ومن بينهم السيدة زينب والسيدة سكينة، وما يرتبط بذلك من احتفالات يحييها محبو آل البيت والطرق الصوفية. وردا على الخلاف بشأن استقرار رأس الإمام الحسين في القاهرة، أفاد أبو العزائم بأن ما يثار حول ذلك من تشكيك لا يستند، من وجهة نظره، إلى ما شاهده بعض المسؤولين والعلماء سابقاً، مشيرا إلى واقعة ذكر إن الشيخ منصور عبيد، وكيل وزارة الأوقاف سابقا، تحدث فيها عن رؤيته للرأس ، وأنها كانت ملفوفة بشال أخضر، وأنه تحدث عن انبعاث رائحة زكية منها، كذلك هناك بدوره، بحسب روايته، أشخاصا شاهدوا الرأس أثناء فترة حكم الرئيس الراحل أنور السادات، وكانت موجودة في تابوت خشبي.
وأعلنت المشيخة العامة للطرق الصوفية أن فعاليات مولد الإمام الحسين بدأت في 29 سبتمبر وتستمر حتى الليلة الختامية في 6 أكتوبر، قبل أن تنتقل الاحتفالات إلى مولد سيدي أحمد البدوي بمدينة طنطا، الذي تبدأ فعالياته في 16 أكتوبر وتستمر حتى 22 أكتوبر، ثم مولد سيدي إبراهيم الدسوقي بمدينة دسوق من 23 وحتى 29 أكتوبر. وأفاد المتحدث الرسمي باسم المشيخة العامة للطرق الصوفية، أحمد قنديل، إن هذه المناسبات تمثل محطات دينية وروحية مهمة، وتشهد مشاركة أبناء الطرق الصوفية ومحبي آل البيت والصالحين من مختلف المحافظات، مع التنسيق مع الجهات المعنية لتنظيم الفعاليات.



