(CNN) — عند الوقوف في ساحة بن، وسط مدينة لانكستر في ولاية بنسلفانيا، من السهل تخيّل المشهد الذي شهدته الشوارع ذاتها قبل نحو 250 عامًا.
ففي سبتمبر/أيلول من العام 1777، كانت الثورة الأمريكية تمر بمرحلة حرجة بعدما هزمت القوات البريطانية الجيش القاري في معركة برانديواين.
ومع اقتراب البريطانيين من الاستيلاء على فيلادلفيا، التي كانت آنذاك مقر الحكومة الأمريكية، غادر أعضاء الكونغرس القاري المدينة واتجهوا غربًا بحثًا عن مكان آمن لإعادة تنظيم صفوفهم. وكانت وجهتهم لانكستر، البلدة التجارية المزدهرة التي تبعد نحو 113 كيلومترًا إلى الغرب.
وفي 27 سبتمبر/أيلول عام 1777، اجتمع الكونغرس القاري فيها، لتصبح لانكستر بشكل مفاجئ العاصمة الفعلية للولايات المتحدة الناشئة، وإن كان ذلك لمدة تقل عن 24 ساعة فقط.
وبعد ساعات من مناقشة وضع الحرب وسبل دعم جيش جورج واشنطن، واصل المندوبون طريقهم غربًا إلى مدينة يورك، حيث وفر نهر سسكويهانا حماية أكبر.
ورغم قِصر تلك الفترة، فإنها تُجسّد الدور الكبير الذي لعبته لانكستر عبر التاريخ مقارنة بحجمها الصغير. فالمدينة، التي يبلغ عدد سكانها نحو 58 ألف نسمة، أسهمت في محطات مهمة من تاريخ الولايات المتحدة، من الثورة والحرب الأهلية إلى حركة إلغاء العبودية ونمو الصناعة الأمريكية والزراعة.
واليوم، تسلّط مجموعة متنوعة من المتاحف الجديدة وجولات المشي والمباني التي أُعيد تهيئتها بعناية ضوءاً جديداً على ذلك التاريخ.
ومع بداية حرب الاستقلال، كانت لانكستر مركزًا تجاريًا وبوابة نحو الغرب.
وبفضل الأراضي الزراعية الخصبة المحيطة بها، ساعدت المدينة في تزويد جيش واشنطن بالطعام والملابس والأسلحة والرجال.
ورغم أن مبنى المحكمة الذي اجتمع فيه الكونغرس احترق عام 1784، لا تزال آثار التاريخ المبكر واضحة في وسط المدينة، حيث تُحيط بساحة بن مبانٍ تعكس مراحل معمارية مختلفة، من الطراز الجورجي والفيدرالي إلى طراز الملكة آن والآرت ديكو.
كادت أجزاء مهمة من هذا التراث أن تختفي خلال مشاريع التجديد العمراني في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، عندما هُدمت مبانٍ تاريخية عدة.
لكن المزاج العام بدأ يتغيّر في أواخر الستينيات، وظهرت حركة تدعو إلى الحفاظ على المباني وإعادة استخدامها بدل هدمها. وأسهم ذلك في إنقاذ معالم عديدة، منها كنيسة الثالوث المقدّس اللوثرية ومنزل واستوديو الفنان تشارلز ديموث.
ومن أبرز رموز المدينة سوق لانكستر المركزي، الذي تأسّس عام 1730، كسوق مفتوح قبل انتقاله إلى مبناه الحالي، عام 1889. ويُعد أقدم سوق عام للمزارعين يعمل بصورة متواصلة في الولايات المتحدة.
واليوم لا يزال مكانًا نابضًا بالحياة، حيث يشتري السكان والزوار المخبوزات، والخضار الطازجة، واللحوم والقهوة وغيرها، كما يُمثّل مساحة اجتماعية يلتقي فيها الناس ويتابعون إيقاع الحياة اليومية.
في منتصف القرن التاسع عشر أصبحت لانكستر مركزًا مهمًا لحركة إلغاء العبودية ومحطة ضمن شبكة السكك الحديدية السرية. ويُسلّط مركز ثاديوس ستيفنز وليديا هاميلتون سميث للتاريخ والديمقراطية، الذي افتُتح في مايو/ أيار الماضي، الضوء على تلك الحقبة.
ويقع المركز في منزل ومكتب ستيفنز السابق، ويروي قصة اثنين من أبرز المدافعين عن إلغاء العبودية. وقد أصبح ستيفنز من أكثر الأصوات تأثيرًا في الكونغرس، بينما أدت سميث دورًا مهمًا في حياته السياسية، إلى جانب نجاحها كسيدة أعمال ومستثمرة ومالكة عقارات.
وأثناء تنقلهم بين الغرف، تتكون لدى الزوار صورة واضحة عن المخاطر التي واجهها الباحثون عن الحرية ومن ساعدوهم؛ وقد ساهمت شخصيات مثل ستيفنز وسميث في دفع البلاد نحو تغيير اجتماعي وسياسي عميق.
وفي أواخر القرن التاسع عشر، تحوّلت لانكستر إلى مركز صناعي بارز. وأسهمت شركات مثل “Armstrong Cork”، و”هاميلتون ووتش”، و”لانكستر للكاراميل” في عقود من النمو الاقتصادي. لكن إسوة بالعديد من المدن الأمريكية، تضرّرت لانكستر عندما تراجع التصنيع في النصف الثاني من القرن العشرين، وانتقلت المتاجر إلى مراكز التسوق بالضواحي، فبقيت مبانٍ تاريخية كثيرة خالية أو قليلة الاستخدام.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه المباني ذاتها إلى فرصة لإحياء المدينة. وقد تحولت مصانع قديمة إلى فنادق، وأصبح مستودع تبغ يعود إلى عام 1881، فندقًا ومعرضًا فنيًا. كما أعيد توظيف مبانٍ تجارية وتاريخية عديدة في مشاريع سياحية وثقافية ومطاعم، مع الحفاظ على جزء كبير من طابعها الأصلي.
وشملت جهود الإحياء أحياء كاملة، مثل حي البلدة القديمة جنوب شرقي ساحة بن. وفي السبعينيات، كانت مباني كثيرة هناك مهددة بالهدم، لكن مستثمرين محليين قرروا ترميمها بدل إزالتها.
وعلى مدى عقدين، أُعيد تأهيل عشرات المباني حتى أصبح الحي واحدًا من أكثر مناطق لانكستر جاذبية وتميزًا من الناحية المعمارية.
وكان للفنون دور رئيسي في نهضة المدينة. ويعد مسرح فولتون، الذي يعود إلى عام 1852، حجر أساس في المشهد الثقافي، إذ يقدم عروضًا بمستوى برودواي إلى جانب برامج تعليمية.
كما ظهرت منطقة “Gallery Row” التي تجمع صالات عرض واستوديوهات وفنانين محليين، فيما تحوّل مبنى مصرفي سابق إلى “Lancaster Art Vault”، الذي يضم استوديوهات لعشرات الفنانين ومساحات للمعارض والعمل المشترك.
ولا يمكن الحديث عن لانكستر الحديثة من دون ذكر مشهد الطعام. فبعدما كانت المنطقة مرتبطة أساسًا بالمطبخ الهولندي في بنسلفانيا وثقافة الآميش، أصبحت مطاعم وسط المدينة تعكس تنوعًا أكبر بكثير.
وقد استقبلت المنطقة عبر تاريخها مهاجرين من أوروبا، ثم جماعات المينونايت والآميش، ولاحقًا مهاجرين ولاجئين من أوكرانيا، وجنوب شرق آسيا، وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا.
ويستطيع الزائر اليوم أن يجد خلال مسافة قصيرة أطباق المومو من جبال الهيمالايا، والرامن الياباني، والأريبا الفنزويلية، والأطباق الإيطالية الحديثة، إضافة إلى المطبخ البوتاني والنيبالي.
كما أُعيد افتتاح “السوق الجنوبي”، الذي بُني أصلًا عام 1888، كقاعة طعام عالمية تجمع أطباقًا من السوشي، والشنيتزل إلى الشاورما المغربية، والتاكو، والفو، والطعام الجامايكي.
وبعد نحو 250 عامًا على مرور الكونغرس القاري عبر لانكستر، ما زالت المدينة تجد طرقًا جديدة لتتجاوز ما قد يوحي به حجمها. لكن تحولها لا يقتصر على مطاعم أو معارض أو مشروع للحفظ، إذ أنها تُجسّد قصة مجتمع يعتمد على روح المبادرة والعمل والمحافظة على التاريخ مع الترحيب بالأفكار الجديدة.



