1:21 مساءً
الجمعة 23 أكتوبر
أخبار اليوم

كتاب جديد يستعرض معركة قانونية لامرأة ضد اعتداء جنسي في العصور الوسطى

23 أكتوبر 2026207 دقائق قراءة

بقلم: لوري كلارك – بي بي سي

يتناول كتاب جديد للكاتبة والمؤرخة سارة ماكدوغال تفاصيل استثنائية لمعركة قانونية خاضتها امرأة إثر تعرضها لاعتداء جنسي وحشي عام 1472 في مدينة ديجون الفرنسية. وتدحض المعطيات الواردة في هذا الملف القضائي الافتراضات الحديثة الشائعة حول طبيعة حياة النساء في العصور الوسطى.

وكانت الضحية، وتدعى "جيان"، امرأة وافدة وغير معروفة لكثيرين في ديجون خلال شتاء عام 1472، حين وقع لها حادث عنف جنسي مروع وهي في مراحل حملها الأخيرة. وتتبعت ماكدوغال، وهي أستاذة التاريخ في كلية جون جاي للعدالة الجنائية في نيويورك، تلك الأحداث في كتابها الصادر بعنوان "العدالة لجيان"، لتقدم صورة غير متوقعة لنظام العدالة في تلك الحقبة التاريخية.

وتستند تفاصيل القصة إلى سجلات تحقيقات مدونة في سبعين صفحة من الرقوق المحفوظة في أرشيف ديجون، حيث يأخذ الكتاب طابع القصة البوليسية التاريخية لتقصي ما جرى ليلة الاعتداء والكشف عن هوية السيدة التي دارت حولها القضية.

تحذير: يتضمن النص تفاصيل متعلقة باعتداء جنسي.

من هي جيان؟

وُلدت جيان لعائلة فقيرة في إقليم اللورين بشمال شرقي فرنسا، قبل أن تنتقل جنوباً إلى مدينة ديجون. وفي ذلك الوقت، لم تكن الولادات تُسجل رسمياً، حيث ذكرت للمحقق عام 1472 أن عمرها "نحو 32 عاماً" دون أن يتسنى لأحد تحديد سنها بدقة. كما عرّفت نفسها بأنه متزوجة ووصفت نفسها بأنها "زوجة جيان من ريلانج".

وكان للهندام دور أساسي في تحديد انطباعات المجتمع وطريقة المعاملة؛ إذ تشير شهادات الشهود إلى أن ملابس جيان كانت تتسم بالأناقة، وكان غطاء الرأس الطويل الذي ترتديه في الأماكن العامة وينسدل فوق شعرها الذهبي يعكس مكانتها كامرأة متزوجة تحظى بالاحترام.

عصر الحكم بالإرهاب

شهدت مدينة ديجون في تلك الفترة حالة من العنف والخراب جراء الصراع المسلح بين شارل الجريء، دوق بورغونيا، وملك فرنسا لويس الحادي عشر. ومع تقدم القوات الملكية، واجهت المدينة خطر الاجتياح، مما دفع الدوق إلى نشر قوات من المرتزقة حول أسوارها لحمايتها.

غير أن هؤلاء المرتزقة فرضوا حالة من الإرهاب والانضباط المفكك على السكان. وفي تصريح لـ بي بي سي، قالت ماكدوغال: "كانت هناك حوادث متكررة لرجال يتجولون ليلاً بحثاً عن ضحايا محتملين لابتزازهم، أو الاعتداء عليهم أو احتجازهم للمطالبة بفدية أو اختطافهم، ولم تكن سلطات المدينة راضية عن هذه الممارسات، إذ شكلت نقطة خلاف رئيسية بين المدينة والدوق".

الجريمة

في مساء يوم 3 يناير/كانون الثاني 1472، طرق رجلان من سكان المدينة باب المقر الذي تواجدت فيه جيان مع امرأة أخرى واستضافتها، وطالبا المرأتين بمرافقتهما. وعندما قوبل طلبهما بالرفض، توجه أحدهما إلى نُزل قريب واستدعى مجموعة من مرتزقة الدوق.

وطبقاً لإفادة جيان في التحقيقات، اقتادها الرجال بالقوة إلى حقل مجاور واعتدوا عليها، غير مبالين بحملها بعدما بلغهم أن والد الطفل كاهن، مما يعني في اعتقادهم أنه ناتج عن علاقة خارج إطار الزواج.

وذكرت جيان أن الرجال حاولوا الاعتداء عليها جنسياً بينما كانت تقاومهم بقوة فوق الثلج. وأوضحت أن حملها المتقدم ومقاومتها الشديدة حائلا دون إتمام الاعتداء، مشيرة إلى أنها تعرضت للضرب وأُلقيت على بطنها وسط مخاوف شديدة على سلامة جنينها.

لوحة تجسد الملك شارل، دوق بورغونيا، يجلس على عرش وإلى جانبه شخصان وأمام مجموعة من الناس، والجزء السفلي من اللوحة عبارة عن زخارف لأزهار وطيور وأغصان شجر مع وجود سيدة في منتصف هذا الجزء يعزف علة آلة العود وإلى اليمن يوجد شخص يعزف على آلة نفخ
يستحق الانتباه

وتتضارب هذه الواقعة مع التصورات المعاصرة الحالية حول العصور الوسطى، والتي تفترض أن ضحايا الاغتصاب كن يتعرضن للتهميش والوصم الاجتماعي وينتهي بهن المطاف في ممارسة الدعارة. وتعود جذور هذا الانطباع جزئياً إلى كتاب "الدعارة في العصور الوسطى" للمؤلف جاك روسيو، الصادر عام 1988 والمنقح عام 2010.

وكان روسيو قد أشار باقتضاب إلى امرأة حامل مجهولة الهوية تعرضت للاعتداء على يد مرتزقة في ديجون، مزعماً أنها خجلت من الإبلاغ وأن مصيرها انتهى في بيوت الدعارة. لكن بحث ماكدوغال في الوثائق الأصلية كشف عن رواية مختلفة تماماً.

تحقيق مفصّل

تولى المحقق جاك بورستيل، المكلف من سلطات المدينة، تدوين شهادة جيان والتفتيش في تفاصيل الجريمة فور وصول أنباء اختطاف امرأة حامل والاعتداء عليها.

وزار بورستيل الضحية في اليوم التالي للحادث، حيث وجدها طريحة الفراش ومنهكة وتخشى على طفلتها، وزودته بالمعلومات المتاحة عن الجناة، قبل أن تضع مولودتها في اليوم التالي مباشرة.

وكان لجوء جيان إلى القضاء خطوة غير معتادة، بالنظر إلى أن سجل المدينة في العدالة الجنائية لم يكن مشجعاً، ورغم أن عقوبة الاختطاف والاعتداء كانت الإعدام قانوناً، إلا أن معظم الجرائم لم تكن تُلاحق فعلياً.

ومع ذلك، قادت المعطيات التي قدمتها جيان إلى توقيف غالبية المشتبه بهم في وقت قصير. ورغم إنكارهم خلال الاستجواب، عقد المحقق مواجهة مباشرة بينهم وبين جيان التي كررت روايتها، ليلجأ مسؤولو البلدية بعدها إلى التعذيب عبر أسلوب يشبه الإيهام بالغرق لاستخلاص اعترافاتهم.

وبعد انتزاع الاعترافات، قررت سلطات ديجون توقيع عقوبة الإعدام. غير أن عائقاً قانونياً ظهر كون الجناة مرتزقة يتبعون سلطة الدوق، الذي كان قد أصدر بياناً يستنكر فيه تجاوزاتهم ويعد بفرض الأمان في المدينة.

التحقيق في أهلية المدّعية

طالبت سلطات الدوق بالإفراج عن الاحتياطيين، ما دفع البلدية إلى المماطلة وفتح تحقيق جديد استهدف تقييم الأهلية القانونية والأخلاقية لجيان ومدى صدقيتها، للوقوف على ما إذا كانت "امرأة محترمة متزوجة" أم "امرأة سيئة السمعة".

وأفاد العديد من الجيران خلال مقابلاتهم مع المحقق بورستيل بأن جيان تبدو امرأة محترمة، ولم يوجهوا إليها أي لوم. لكن التحقيقات كشفت عن تناقضات في أقوالها السابقة؛ إذ تبين أنها أنجبت طفلاً قبل عامين في دير قريب من كاهن كانت تتردد عليه، وأنها لم ترَ زوجها منذ سنوات.

وعند مواجهتها بالأدلة في ظل تعرضها لتهديدات من أنصار المرتزقة واختبائها بمساعدة جيرانها في أحد المستشفيات حيث عملت، أقرت جيان بإدلاء معطيات غير صحيحة. واعترفت بأن زوجها التحق بالقتال في الحرب منذ سنوات، وأنها ارتبطت بكاهن وأنجبت منه طفلين، قائلة وفق ما دونه المحقق: "كان من الأفضل العيش من خلال إتاحة الجسد، بدلاً من اللجوء إلى سرقة الناس".

رؤية جديدة

لوحة من القرن الخامس عشر تصور العدالة كشخصية متوجة
لوحة من القرن الخامس عشر تصور العدالة كشخصية متوجة، قضية جيان تقلب المفاهيم السائدة حول كيفية تعامل مجتمع العصور الوسطى مع ضحايا الاعتداء الجنسي

عكست تلك الاعترافات تعقيدات الضوابط الأخلاقية في ذلك العصر؛ ورغم أن العلاقات خارج الزواج كانت محرمة نكراً إلا أنها كانت متقبلة عملياً، كما أن إنجاب الكهنة من عشيقاتهم كان أمراً شائعاً ومتحملاً رغم نذور العزوبية.

ورغم ثبوت كذب جيان حول وضعها الاجتماعي، قرر المحققون مواصلة سير الدعوى لإدانة المرتزقة، غير أن السلطات التابعة للدوق دفعت بتبعية المتهمين لطبقة رجال الدين وحظر محاكمتهم أمام القضاء المدني، ليُفرج عنهم بعد شهرين من الاحتجاز.

وتصعب معرفة المسار الذي آلت إليه حياة جيان بعد ذلك الانتهاء القضائي، إلا أن المؤرخة ماكدوغال ترى في وثائق القضية دليلاً يغير النظرة السائدة عن مجتمع العصور الوسطى.

وأعربت ماكدوغال عن تقديرها لشجاعة الضحية، قائلة: "أكنّ لها إعجاباً كبيراً، لقد أدهشتني بشدة الطرق التي واصلت بها الدفاع عن نفسها"، مضيفة أنه "فقد كانت ترى أن لها إرادة وقدرة على الاختيار".

وأكدت الباحثة أن المصادر التاريخية لهذه القضية تظهر أن "لم يكن هذا المجتمع في العصور الوسطى، بحسب ما رصدته في المصادر، يمارس اللوم على الضحايا أو التشهير بهم"، مشيرة إلى أن النساء كان بمقدورهن التقدم بالشكاوى والحصول على مساندة محيطهن الاجتماعي حتى دون امتلاك ذاكرة دقيقة بكل التفاصيل أو استيفاء اشتراطات نمطية معينة.

أبرز ما جاء في الخبر

  • يتناول كتاب جديد للكاتبة والمؤرخة سارة ماكدوغال تفاصيل استثنائية لمعركة قانونية خاضتها امرأة إثر تعرضها لاعتداء جنسي وحشي عام 1472 في مدينة ديجون الفرنسية.
  • وكانت الضحية، وتدعى "جيان"، امرأة وافدة وغير معروفة لكثيرين في ديجون خلال شتاء عام 1472، حين وقع لها حادث عنف جنسي مروع وهي في مراحل حملها الأخيرة.
  • وفي ذلك الوقت، لم تكن الولادات تُسجل رسمياً، حيث ذكرت للمحقق عام 1472 أن عمرها "نحو 32 عاماً" دون أن يتسنى لأحد تحديد سنها بدقة.
  • وتعود جذور هذا الانطباع جزئياً إلى كتاب "الدعارة في العصور الوسطى" للمؤلف جاك روسيو، الصادر عام 1988 والمنقح عام 2010.
📰 المصدر: BBC
المصدر: 24 ساعة نيوز

شاهد أيضًا

اترك رد

24 ساعة نيوز